القرطبي

194

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

المسجد الحرام ، إذ مرّ بنا شيخ طويل نحيل الجسم ، عليه أطمار خلقة ، فقام إليه الجلاء ووقف معه ساعة ثم انصرف إلينا ، فقال : هل تعرفون من هذا الشيخ ؟ فقلنا : لا . فقال : ابتاع من اللّه حوراء بأربعة آلاف ختمة ، فلما أكملها رآها في المنام في حليّها وحللها ، فقال : لمن أنت ؟ فقالت : أنا الحور التي ابتعتني من اللّه تعالى بأربعة آلاف ختمة ، هذا الثمن فما نحلتي أنا منك ؟ قال : ألف ختمة . قال الجلا : فهو يعمل فيها بعد . وروي عن سحنون أنه قال : كان بمصر رجل يقال له سعيد ، وكانت له أم من المتعبّدات ، وكانت إذا قام من الليل يصلّي تقوم والدته خلفه ، فإذا غلب عليه النوم ونعس تناديه والدته : يا سعيد ؛ إنه لا ينام من يخاف النار ، ويخطب الحور الحسان ، فيقوم مرعوبا . ويروى عن ثابت أنه قال : كان أبي من القوّامين للّه في سواد الليل ، قال : رأيت ذات ليلة في منامي امرأة لا تشبه النساء ، فقلت لها : من أنت ؟ فقالت : حوراء أمة اللّه ، فقلت لها : زوّجيني نفسك ، فقالت : اخطبني من عند ربي وأمهرني . فقلت : وما مهرك ؟ فقالت : طول التهجد . وأنشدوا : يا خاطب الحور في خدرها * وطالبا ذاك على قدرها انهض بجدّ لا تكن وانيا * وجاهد النفس على صبرها وجانب الناس وارفضهم * وحالف الوحدة في ذكرها وقم إذا الليل بدا وجهه * وصم نهارا فهو من مهرها فلو رأت عيناك إقبالها * وقد بدت رمانتا صدرها وهي تماشي بين أترابها * وعقدها يشرق في نحرها لهان في نفسك هذا الذي * تراه في دنياك من زهرها وقال مضر القارئ : غلبني النوم ليلة فنمت عن حزبي ، فرأيت في منامي فيما يرى النائم جارية كأن وجهها القمر المستتم ، ومعها رقّ ؛ فقالت : أتقرأ أيها الشيخ ؟ قلت : نعم ، فقالت : اقرأ هذا الكتاب ، ففتحته فإذا فيه مكتوب ، فو اللّه ما ذكرته قط إلا ذهب عني النوم : ألهتك اللذائذ والأماني * عن الفردوس والظلل الدواني ولذّة نومة عن خير عيش * مع الخيرات في غرف الجنان تيقّظ من منامك إن خيرا * من النوم التهجد بالقرآن